رغم أن الأبحاث العلمية الحديثة في مجال الصحة الإنجابية تقترب من تطوير وسيلة جديدة لمنع الحمل موجهة للرجال، تعتمد على إيقاف إنتاج الحيوانات المنوية بطريقة قابلة للعكس دون التأثير على الهرمونات أو الصفات الذكورية، فإن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في بعده الطبي، بل في الأسئلة الاجتماعية العميقة التي يثيرها حول الجسد والهوية وتقسيم الأدوار داخل المجتمع.
وتشير المعطيات العلمية إلى أن تجارب أولية على مركب يُعرف باسم JQ1 أظهرت إمكانية إيقاف إنتاج الحيوانات المنوية بشكل مؤقت، مع الحفاظ على الخصوبة بعد التوقف عن العلاج، وهو ما قد يمهّد مستقبلاً لوسيلة رجالية جديدة لتنظيم النسل. غير أن هذه النتائج ما تزال في مرحلة التجارب الحيوانية ولم تُختبر بعد على الإنسان.
لكن، بعيداً عن المختبرات، يطرح هذا التطور تساؤلا عميقا: هل يمكن للمجتمع المغربي أن يتقبل فعلاً أن يصبح الرجل طرفاً مباشراً في التحكم في الخصوبة؟
من منظور سوسيولوجي، لا يتعلق الأمر فقط بوسيلة طبية جديدة، بل بإعادة توزيع رمزي للأدوار داخل العلاقات الاجتماعية. فمسؤولية منع الحمل ظلت تاريخياً مرتبطة بالنساء، بينما تم بناء صورة “الرجولة” اجتماعياً على أساس الاستقلال الجسدي والابتعاد عن التدخل في الحمل والإنجاب.
في هذا السياق، يوضح محمد أوالطاهر، أستاذ محاضر في علم الاجتماع بالمعهد الوطني للعمل الاجتماعي بطنجة.، متخصص في سوسيولوجيا الدين ودراسات النوع الاجتماعي، ومهتم بقضايا الفلسفة والتدين والرجوليات، أن فهم هذه الظاهرة يجب أن يتم داخل “منطق الاستمرارية البنيوية للنظام الجندري في المجتمعات التقليدية، حيث لا تُوزَّع الأدوار الجنسية والإنجابية بشكل تقني محايد، بل تُحمَّل بدلالات رمزية عميقة مرتبطة بالهيمنة الذكورية”.
ويضيف أوالطاهر في تصريح خص به الأول للأخبار أن الحياة الجنسية داخل هذه البنية الاجتماعية تخضع لمعايير دقيقة، تجعل من جسد المرأة مجالاً للضبط والمراقبة، بينما يُبنى تصور الرجولة على الفاعلية والاستقلال، وليس على المشاركة في عبء التنظيم الإنجابي.
كما يؤكد أن مقاومة بعض الرجال لفكرة تناول وسائل منع الحمل لا ترتبط فقط بالدين أو المرجعية الثقافية، بل تعكس “بنية بطريركية عابرة للخطابات المختلفة، تعيد إنتاج نفس التصور الضمني للرجولة، حتى داخل الخطابات الحديثة”، على حد تعبيره.
ويشير الباحث أيضاً إلى أن هذا الرفض لا يمكن اعتباره ثابتاً أو شاملاً، بل يتغير حسب المستوى التعليمي، والموقع الاجتماعي، ومدى الانفتاح على التحولات القيمية داخل المدن. وهو ما يكشف، حسبه، أننا أمام مرحلة انتقالية تتعايش فيها تصورات تقليدية للرجولة مع بوادر إعادة توزيع تدريجي لمسؤولية الإنجاب.
في هذا السياق، لا يبدو أن النقاش يتعلق فقط بمدى تطور الطب، بل بمدى استعداد المجتمع لإعادة التفكير في معنى الرجولة نفسها: هل ستظل مرتبطة بالتحكم الرمزي في الجسد الإنجابي، أم ستتجه نحو نموذج جديد يقوم على تقاسم المسؤولية بين الرجل والمرأة؟
ورغم النقاشات العلمية والسوسيولوجية حول هذا التطور الطبي، فإن تقبل الرجال لفكرة تناول حبوب منع الحمل لا يبدو أمراً بسيطاً في الواقع اليومي، حيث تتقاطع المواقف بين الرفض والتحفظ وحتى القبول المشروط.
في هذا السياق، عبّر بعض الرجال الذين تم استطلاع آرائهم بشكل غير رسمي عن رفضهم للفكرة، معتبرين أن مسؤولية منع الحمل تبقى أقرب للمرأة. أحدهم يقول: “صراحة ما نقدرش ناخذ دواء ديال منع الحمل، نحسها ماشي ديال الرجال، هادي مسؤولية ديال المرأة أكثر”. فيما يرى آخر أن ذلك قد يطرح لديه إشكالاً نفسياً: “حتى إلا قالو ما كيأثرش على الرجولة، الفكرة نفسها صعيبة تقبلها… كتحس بحال شي حاجة كتبدل فيك”.
في المقابل، تظهر مواقف أخرى أكثر مرونة، خصوصاً لدى بعض الشباب الذين يعتبرون أن المشاركة في تنظيم الإنجاب قد تخفف من العبء الواقع على المرأة. أحدهم يقول: “إلا كان الدواء آمن وما فيه حتى ضرر، علاش لا؟ حنا بجوج خاصنا نتحملو المسؤولية”، بينما يرى آخر أن المسألة “خاصها تكون تفاهم بين الزوجين ماشي غير على واحد الطرف”.
أما بعض النساء، فتبدو مواقفهن أكثر ارتباطاً بالتجربة اليومية مع وسائل منع الحمل التقليدية. تقول إحدى السيدات: “حنا اللي كنحسو بالأدوية والهرمونات والمشاكل ديالهم، إلى كان الرجل يقدر يشارك فهاد الحمل ما غاديش يكون غير عدل، بل راحة كبيرة للمرأة”. وتضيف أخرى: “الفكرة في حد ذاتها إيجابية، ولكن المهم هو واش الرجل فعلاً مستعد يتحمل المسؤولية وما يبقاش غير اختيار شكلي”.
وتعكس هذه المواقف، في مجملها، أن النقاش حول وسائل منع الحمل الرجالية لا يُحسم فقط في المختبرات العلمية، بل أيضاً داخل الوعي الاجتماعي اليومي، حيث تتداخل الاعتبارات النفسية والثقافية مع التصورات الجندرية الراسخة، بين من يرى فيها تهديداً لصورة الرجل، ومن يعتبرها خطوة نحو شراكة إنجابية أكثر توازناً.