عاد شبح الاضطراب إلى أسواق الطاقة العالمية، بعدما سجلت أسعار النفط ارتفاعاً لافتاً بنحو 6 في المائة، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيو-سياسية في منطقة الخليج، خاصة في ظل الغموض الذي يلف مستقبل المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب التطورات الأمنية المرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات النفط عالمياً.
هذا الارتفاع انعكس بشكل مباشر على العقود الآجلة، حيث صعد خام “برنت” بنحو 5.10 دولارات، أي بنسبة 5.64 في المائة، ليستقر عند 95.48 دولاراً للبرميل، فيما بلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 89.61 دولاراً، مسجلاً زيادة قدرها 5.76 دولارات، أي ما يعادل 6.87 في المائة.
وتغذي هذه القفزة حالة من عدم اليقين بشأن مآل الهدنة القائمة، والتي يصفها مراقبون بـ”الهشة”، خاصة بعد تصريحات متباينة من الجانبين؛ إذ أكد مسؤول إيراني أن بلاده تدرس المشاركة في محادثات السلام دون اتخاذ قرار نهائي، في حين لمّح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى احتمال عدم تمديد وقف إطلاق النار، مع الإبقاء على الحصار.
وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات ملاحية شبه شلل في حركة عبور الناقلات عبر مضيق هرمز، حيث لم تُسجل سوى ثلاث عمليات مرور خلال 12 ساعة، وهو ما زاد من مخاوف اضطراب الإمدادات العالمية.
في قراءة لهذه التطورات، يرى الخبير في الشأن الطاقي عبد الصمد ملاوي أن سوق الطاقة يعيش على وقع توتر متصاعد، تحكمه تطورات الصراع الأمريكي-الإيراني، مشيراً إلى أن احتمالات إغلاق المضيق أو استهداف منشآت نفطية دفعت مؤسسات دولية كبرى، مثل “غولدمان ساكس” والبنك الدولي، إلى وضع سيناريوهات متعددة لمسار الأسعار.
وبحسب ملاوي، فإن المدى القريب (من أسبوع إلى شهر) مرشح لمواصلة التقلب، حيث قد تتراوح الأسعار بين 90 و110 دولارات للبرميل، مع إمكانية تجاوز 120 دولاراً في حال حدوث تصعيد مفاجئ، بل وقد تصل إلى 150 دولاراً في السيناريوهات القصوى المرتبطة بإغلاق كامل للمضيق.
أما على المدى المتوسط (3 إلى 6 أشهر)، فيظل استقرار الأسعار رهيناً بتقدم المفاوضات بين واشنطن وطهران، في ظل وجود تباين داخلي في الموقف الإيراني بين الجناح العسكري والسياسي. وفي حال التوصل إلى اتفاق، يرجح الخبير عودة الأسعار إلى مستويات تتراوح بين 75 و85 دولاراً للبرميل.
وعلى المدى البعيد، تشير التوقعات الدولية إلى إمكانية تراجع الأسعار إلى ما بين 60 و70 دولاراً خلال النصف الثاني من سنة 2026، مدفوعة بزيادة الإنتاج من دول خارج “أوبك” وتباطؤ الطلب العالمي، خصوصاً من الصين.
وبالنسبة للمغرب، يؤكد ملاوي أن السوق الوطنية ستتأثر مباشرة بهذه التطورات، متوقعاً تسجيل زيادات جديدة في أسعار المحروقات قد تتراوح بين درهم ودرهم ونصف للتر الواحد، طالما ظل سعر البرميل فوق 100 دولار، مع إمكانية تحسن الوضع مستقبلاً في حال تراجع الأسعار عالمياً.
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي محمد عادل إيشو أن ما يحدث يعكس عودة قوية لعامل المخاطر الجيو-سياسية إلى سوق النفط، مشيراً إلى أن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل يومياً، أي حوالي 20 في المائة من الاستهلاك العالمي، كان له أثر مباشر في ارتفاع الأسعار.
وأوضح أن الوضع الحالي لا يقتصر على ارتفاع أسعار الخام فقط، بل يشمل أيضاً ارتفاع هوامش التكرير، ما يؤدي إلى زيادة أسعار المنتجات النهائية مثل الغازوال بوتيرة أسرع، خاصة في ظل الاختناقات اللوجستية.
وأشار إلى أن المغرب يتأثر بشكل مضاعف بهذه التقلبات، نظراً لاعتماده الكبير على استيراد الطاقة، إذ تتجاوز تبعيته الطاقية 90 في المائة، إضافة إلى اعتماده على المنتجات المكررة وفق مرجع “روتردام”، ما يجعله عرضة لارتفاع الأسعار وتكاليف الشحن والتأمين.
كما لفت إلى أن ارتفاع أقساط التأمين على ناقلات النفط خلال فترات التوتر ينعكس مباشرة على تكلفة الاستيراد، موضحاً أن تجاوز سعر الغازوال 15 درهماً للتر في أبريل 2026 يعكس انتقال هذه الضغوط المركبة إلى السوق الداخلية.
وأضاف أن عوامل تقنية ومالية أخرى تساهم في تعميق هذا الارتفاع، من بينها ميل السوق إلى ما يعرف بـ”Backwardation”، حيث تكون الأسعار الفورية أعلى من المستقبلية، إلى جانب غياب قدرات التكرير الوطنية منذ 2015، وتأثير تقلبات سعر صرف الدرهم مقابل الدولار، فضلاً عن دور المضاربات المالية في تضخيم الأسعار.