دقّ عدد من النواب البرلمانيين ناقوس الخطر بشأن الارتفاع المقلق لحوادث السير المرتبطة بالدراجات النارية، والتي باتت تمثل، وفق معطيات جرى تداولها، ما يقارب 40% من مجموع الوفيات في بعض الأوساط الحضرية. وفي المقابل، استحضر وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح التجربة السويدية كنموذج متقدم في مجال السلامة الطرقية، مؤكداً أن التصدي لهذا التحدي يمر عبر مقاربة شمولية ومندمجة تقوم على تعبئة جماعية لمختلف الفاعلين.
وجاءت هذه المواقف خلال اجتماع لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة بمجلس النواب، المخصص لمناقشة مشروع قانون رقم 61.25 القاضي بتغيير القانون رقم 103.14 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية.
وتوقف النواب عند مؤشرات وصفوها بـ”المقلقة”، خصوصاً تلك المرتبطة باستعمال الدراجات النارية داخل المدن، معتبرين أن تفاقم الظاهرة يستدعي تجاوز المقاربات الزجرية والتقنية الضيقة، والانفتاح على حلول أكثر شمولاً تشمل التربية الطرقية، والدعم الاجتماعي، وتعزيز آليات المراقبة الرقمية، إلى جانب تطوير النقل العمومي كخيار بديل وآمن.
كما دعوا إلى تبني إجراءات أكثر صرامة وابتكاراً، من بينها تشديد المراقبة على احترام ارتداء الخوذة والمعايير التقنية، وإطلاق برامج توعوية موجهة لفئة مستعملي الدراجات النارية، وتقنين قطاع خدمات التوصيل، فضلاً عن اعتماد تكنولوجيات حديثة لرصد المخالفات بشكل فوري، بما يسهم في الحد من حوادث السير.
وأجمع المتدخلون على الأهمية الاستراتيجية لمشروع القانون، معتبرين أنه يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز نجاعة الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية والرفع من مستوى تدخلها، خاصة في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بحماية الأرواح وتقليص الخسائر الناجمة عن حوادث السير.
وفي السياق ذاته، نوه النواب بأهمية استكمال البناء المؤسساتي للوكالة، باعتبارها فاعلاً محورياً في تنزيل السياسات العمومية المرتبطة بالسلامة الطرقية، أحد أبرز الأوراش ذات الصلة المباشرة بالحياة اليومية للمواطنين.
وأشار المتدخلون إلى أن مقتضيات المشروع تمثل مدخلاً لمعالجة عدد من الإكراهات، خاصة عبر إرساء إطار قانوني يضمن للموظفين الحفاظ على مسارهم المهني وحقوقهم في الترقية داخل إداراتهم الأصلية، مع الاستمرار في أداء مهامهم داخل الوكالة.
كما شددوا على أن النص الجديد من شأنه التخفيف من حدة الخصاص في الموارد البشرية، في ظل تزايد الإحالات على التقاعد، بما يضمن استمرارية المرفق العمومي والحفاظ على جودة خدماته، مع تمكين الوكالة من الاحتفاظ بالكفاءات والخبرات المتخصصة.
وأكد النواب أن نجاح أي إصلاح في هذا المجال يظل رهيناً بالاهتمام بالعنصر البشري، من خلال تحقيق التوازن بين متطلبات المرفق العمومي وحقوق الموظفين، وتحسين أوضاع الأطر العاملة وتثمين كفاءاتها، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لإنجاح هذا الورش الوطني.
كما اعتبروا أن مناقشة المشروع تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول وضعية الموارد البشرية داخل الوكالة، خاصة الموظفين الملحقين، داعين إلى إيجاد حلول مستدامة تضمن استقرارهم المهني وتعزز اندماجهم، مع تحسين ظروف العمل وتوفير الإمكانيات اللوجستيكية والتقنية، وتطوير برامج التكوين المستمر، ومراجعة أنظمة التحفيز بما يتلاءم مع حجم المسؤوليات.
من جانبه، أوضح الوزير أن مشروع القانون يهدف إلى تمكين الوكالة من الموارد البشرية الضرورية لمواصلة أداء مهامها، مبرزاً أن المادة 14 من القانون الحالي تنص على الإلحاق التلقائي لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
وأشار إلى أن التطبيق العملي أفرز صعوبات، خاصة في تسوية الوضعيات الإدارية لعدد من الموظفين الذين تقدموا بطلبات الإدماج داخل الآجال القانونية، بالنظر إلى تعقيد مساطر الترقية والحاجة إلى آجال إضافية لمعالجة الملفات.
وكشف أن عدد طلبات الإدماج في مرحلة أولى بلغ 330 موظفاً، تم إدماج 88 منهم، فيما لا تزال 169 حالة قيد المعالجة في مرحلة ثانية، إلى جانب 46 طلباً لإنهاء الإلحاق، تمت الموافقة على 19 منها، بينما توجد طلبات أخرى قيد الدراسة.
وأوضح الوزير أن هذه الإكراهات ترتبط أيضاً بالنقص المسجل في الموارد البشرية نتيجة ارتفاع وتيرة الإحالات على التقاعد، مؤكداً استمرار التنسيق بين الوزارة والوكالة لتسوية الملفات العالقة.
وفي هذا الإطار، أبرز أن التعديل المقترح يروم تمكين إمكانية تجديد الإلحاق مرتين بدل مرة واحدة، بما يضمن استمرارية المرفق العمومي وتحسين جودة الخدمات.
وختم الوزير بالتأكيد على أن السلامة الطرقية ليست مسؤولية قطاع واحد، بل ورش وطني جماعي يستدعي انخراط مختلف المتدخلين، من جماعات ترابية ومجتمع مدني ومؤسسات عمومية، مستحضراً تجربة السويد كنموذج ناجح، حيث تبقى النتائج رهينة بمقاربة تشاركية تقوم على التربية والتحسيس والوقاية والمراقبة والتكوين والتقييم، مدعومة بإرادة مجتمعية قوية وتعبئة مستدامة.