إعلام سوس ماسة والتنمية..المعادلة المختلة

تقدم جهة سوس ماسة في الخطاب الرسمي، باعتبارها إحدى النماذج الصاعدة للتنمية الترابية بالمغرب، بفضل ما راكمته من مؤشرات اقتصادية مرتبطة بالفلاحة التصديرية، السياحة، والصيد البحري؛ غير أن هذا التقديم في عمقه، لا يعكس سوى جزء محدود من الحقيقة، بل يخفي وراءه مفارقة صارخة بين واجهة اقتصادية “لامعة” ومجال ترابي يعاني اختلالات بنيوية عميقة، تجعل من التنمية نفسها عملية غير متكافئة، تنتج الثروة من جهة، وتعيد توزيع الهشاشة من جهة أخرى.

فجهة سوس ماسة ليست فقط قطبا اقتصاديا كما تقدم، بل هي أيضا فضاء لإعادة إنتاج التفاوتات، حيث تتعايش مناطق مزدهرة مع أخرى غارقة في الهشاشة، في مشهد يكشف أن النمو لا يعني بالضرورة تنمية، وأن الأرقام مهما ارتفعت، قد تخفي تحتها واقعا اجتماعيا مأزوما، فخلف الضيعات الفلاحية الكبرى، المركبات السياحية والموانئ النشيطة، تقبع قرى معزولة، وبنيات تحتية هشة، وخدمات عمومية غير متكافئة، وهو ما يطرح سؤال العدالة المجالية بإلحاح.

هذا التفاوت لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة السياسات العمومية التي تصاغ مركزيا، وتنزل محليا وفق منطق انتقائي، يجعل من بعض المجالات أولويات استثمارية، بينما تترك أخرى على هامش التخطيط، فالمركز، في علاقته بالجهة، لا يزال يحتفظ بسلطة تحديد الأولويات، وهو ما ينعكس في توزيع المشاريع، وفي طبيعة الاستثمارات، وفي منطق التدخل العمومي، حيث يتم التركيز على القطاعات ذات المردودية الاقتصادية المباشرة، مقابل إهمال القطاعات الاجتماعية والخدماتية التي تُعد أساس التنمية الحقيقية.

في هذا السياق، لابد من إبراز الإعلام الجهوي كفاعل مفترض في إعادة التوازن ومساهمته في الإشارة لهذه المفارقات، غير أن واقعه أيضا داخل جهة سوس ماسة لا يخرج كثيرا عن الإطار العام للإعلام الجهوي بالمغرب عامة، حيث يتم اختزاله في كثير من الأحيان، في أدوار تواصلية سطحية، تكتفي بمواكبة الأنشطة الرسمية، وترويج الخطاب المؤسساتي، دون الانخراط في مساءلة السياسات العمومية أو تفكيك اختلالاتها، وهنا يتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى أداة تبرير، ومن فضاء للنقاش إلى منصة لإعادة إنتاج الخطاب الرسمي.

هذا الوضع يفرغ الإعلام من وظيفته الأساسية كفاعل في الفضاء العمومي، ويضعف قدرته على التأثير في مسار التنمية، فالإعلام، كما هو متعارف عليه في الأدبيات الحديثة، ليس مجرد ناقل للخبر، بل منتج للمعنى، ومساهم في تشكيل الوعي الجماعي، وهو ما يفرض عليه تجاوز منطق النقل إلى منطق التحليل، ومن الحياد السلبي إلى الانخراط النقدي.

ثم إن أولى وظائف الإعلام الجهوي في سياق جهة سوس ماسة، تتمثل في التفكيك الإخباري، أي القدرة على قراءة الأحداث في سياقاتها وربطها بالبنيات الاقتصادية والسياسية التي تنتجها، فالمشاريع التنموية، على سبيل المثال، لا يجب أن تقدم فقط كمنجزات، بل كموضوع للتحليل من يقررها؟ كيف تمول؟ من يستفيد منها؟ وما هي آثارها على التوازن المجالي؟ دون هذا المستوى من التحليل، يتحول الإعلام إلى مجرد قناة لنقل الوقائع كما تقدم وهو ما يساهم في إنتاج وعي زائف بالتنمية.

غير أن الوظيفة الأكثر حساسية، تظل هي الترافع، حيث يتحول الإعلام من مجرد ناقل أو مفسر، إلى فاعل ضاغط، يسعى إلى تحويل قضايا الجهة إلى قضايا رأي عام وطني، ففي سوس ماسة، كما في غيرها من الجهات، توجد ملفات تستحق أن تطرح بقوة، ندرة المياه في العالم القروي، هشاشة البنية الصحية، اختلالات التعليم، الفوارق بين المجالين الحضري والقروي، وغيرها من القضايا التي لا تجد دائما صداها في النقاش الوطني، والإعلام الجهوي، في هذا السياق، مطالب بأن يلعب دور الوسيط الضاغط، الذي ينقل هذه القضايا من الهامش إلى المركز.

غير أن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق دون استقلالية حقيقية، سواء على المستوى المالي أو التحريري، فالإعلام الذي يعتمد في تمويله على الإعلانات المؤسساتية، أو يرتبط بعلاقات مباشرة مع الفاعلين السياسيين، يجد نفسه، بشكل أو بآخر، مقيدا في حركته، وغير قادر على ممارسة دوره النقدي بشكل كامل. وهو ما يفسر جزئيا حالة “التحفظ” التي تطبع جزءا من الإعلام الجهوي.

ورغم هذه الإكراهات، بدأت تظهر داخل جهة سوس ماسة تجارب إعلامية بديلة، خاصة في الفضاء الرقمي، تحاول كسر هذا النمط التقليدي، عبر التطرق لقضايا مسكوت عنها، وطرح أسئلة محرجة، ومتابعة ملفات محلية بتفاصيل دقيقة، هذه التجارب، رغم محدودية إمكانياتها، تشكل مؤشرا على إمكانية بناء إعلام جهوي مختلف، أكثر قربا من المواطن، وأكثر انخراطا في قضاياه.

وأيضا رغم كل هذه الاختلالات البنيوية، لا يمكن إغفال أن جزء مهما من الإعلام الجهوي بسوس ماسة يشتغل اليوم بمنطق الاجتهاد الممكن لا الاختيار الحر، إذ يتحرك داخل هامش ضيق تحدده محدودية الموارد المالية وضعف البنيات المهنية وغياب نماذج اقتصادية مستقرة، فالكثير من المنابر تشتغل بإمكانيات شبه منعدمة، وتعتمد على مجهودات فردية، ما يجعل قدرتها على التعمق في المعالجة والتحقيق والتتبع رهينة بالإكراهات أكثر من الإرادة، وهنا يطفو سؤال مركزي بإلحاح، كيف يمكن الحديث عن إعلام جهوي قوي ومستقل دون توفير شروط دعمه وتمويله بشكل شفاف وعادل؟ وهل يعقل أن يطلب من إعلام هش ماديا أن يؤدي أدوارا استراتيجية في الترافع والتفكيك والتثقيف، في غياب سياسات عمومية واضحة للنهوض به؟

ختاما، إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه جهة سوس ماسة، ليس فقط في تحقيق النمو الاقتصادي، بل في تحويل هذا النمو إلى تنمية شاملة وعادلة، وهو ما يمر، بالضرورة، عبر إعلام جهوي قوي، مستقل، وقادر على ممارسة أدواره كاملة، فالتنمية لا تُقاس فقط بما ينجز، بل أيضا بما يناقش وما يسائل، وما يطالب به.

وإلى غاية إصلاح هذه التناقضات، سيظل الإعلام الجهوي في سوس ماسة مجرد صدى للخطاب الرسمي، ويتحول إلى قوة اقتراحية وضاغطة، تسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين المركز والهامش؟ الجواب عن هذا السؤال، في نهاية المطاف، لا يتعلق فقط بالإعلاميين، بل بمنظومة كاملة، تبدأ من الإرادة السياسية، ولا تنتهي عند وعي المجتمع، ذلك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الجهة، ليس الاختلالات في حد ذاتها، بل التعايش معها، وتطبيعها، وتحويلها إلى وضع طبيعي، وهنا تحديدا يتحدد دور الإعلام إما أن يكون جزءا من هذا التطبيع أو أداة لكسره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.