روبورطاج.. الأسرة المغربية وتحولات الاعتراف: من برامج البوح إلى الذكاء الاصطناعي

من رسائل تُكتب بخجل في صفحات “من القلب إلى القلب”، إلى أصوات تُبث على الهواء في “منكم وإليكم”، وصولاً إلى اعترافات أكثر جرأة في “سمير الليل”، ثم إلى مجالسات فردية مع الذكاء الاصطناعي.

لم تكن برامج البوح في المغرب مجرد تطور إعلامي، بل مرآة لتحولات اجتماعية عميقة. أجيال كاملة كبرت وهي تتابع وتشارك  في هذا النوع من البرامج، في وقت كانت فيه الأسرة المغربية تعيد تشكيل نفسها، وتفقد تدريجياً بعض أدوارها التقليدية في الاستماع والاحتواء. في هذا السياق المتغير، لم يعد البوح محصوراً داخل الجدران، بل خرج إلى العلن، ليصبح مادة إعلامية قائمة بذاتها، تكشف ما ظل لسنوات طويلة حبيس الصمت.

فلم تعد برامج البوح في الإعلام المغربي مجرد محتوى يثير الفضول أو يفتح نقاشاً عابراً حول حدود الجرأة الأخلاقية، بل تحولت إلى ظاهرة جماهيرية راسخة داخل المشهد السمعي البصري. ظاهرة تتقاطع فيها الأسئلة الاجتماعية والثقافية والنفسية، وتعيد طرح علاقة المجتمع المغربي بفعل “الاعتراف” وبالفضاءات التي يُمارَس فيها الكلام عن الذات.

فحسب نتائج بحث أكاديمي بعنوان “برامج البوح في الإعلام المغربي: مقاربة سوسيولوجية” للباحثة فاطمة المرابط، فإن حوالي 57٪ من المغاربة يتابعون هذا النوع من البرامج، رقم يبدو في ظاهره إحصائياً بسيطاً، لكنه في عمقه يكشف عن تحول بنيوي في أنماط الاستهلاك الإعلامي، وفي الحاجة الاجتماعية إلى فضاء بديل للبوح.

الأسرة المغربية بين التحول البنيوي وإعادة تشكيل الاستماع

لفهم هذا الإقبال المتزايد، تعود الدراسة إلى التحولات العميقة التي تعرفها البنية الأسرية في المغرب. إذ تؤكد معطيات المندوبية السامية للتخطيط استمرار اتجاه المجتمع نحو هيمنة الأسرة النووية مقابل تراجع الأسرة الممتدة.

هذا التحول لا يتعلق فقط بشكل السكن، بل بإعادة تشكيل العلاقات داخل الفضاء العائلي نفسه. ففي النموذج التقليدي، كانت الأسرة الممتدة تمثل ما يمكن وصفه بـ”شبكة استماع طبيعية”، حيث يتم تداول المشاكل داخل دائرة واسعة من الأقارب، ما يخلق نوعاً من الاحتواء الاجتماعي وتخفيف الضغط النفسي.

لكن مع تقلص هذا النموذج، يبرز سؤال محوري: أين يذهب الكلام الذي لم يعد يجد من يسمعه داخل البيت؟

في هذا السياق، يوضح الباحث والأستاذ في علم الاجتماع محمد أوالطاهر أن هذا التحول البنيوي خلق فراغاً اجتماعياً ورمزياً، مبرزاً أن برامج البوح تشتغل على هذا الفراغ باعتبارها فضاءً بديلاً لوظيفة كانت تقوم بها الأسرة التقليدية.

الإعلام كفضاء بديل للبوح والاعتراف

في ظل الفراغ الاجتماعي، برزت برامج البوح كبديل رمزي لوظيفة الاستماع. وهذا ما أكده الباحث في علم الإجتماع أوالطاهر حيث اعتبر أن هذه البرامج:

“تشتغل على مجالات تُصنَّف اجتماعياً ضمن الطابوهات الثقافية وما يُعتبر مسكوتاً عنه، وتتيح للأفراد التعبير عن تجارب شخصية لا تجد قنوات مشروعة داخل الفضاء الاجتماعي التقليدي.”

الأهم في هذا التحليل، ليس فقط مضمون القصص، بل آلية تقديمها، خاصة عبر إخفاء الهوية الذي يقلل من الخوف من الوصم الاجتماعي ويمنح المتحدثين هامشاً أكبر من الجرأة. وبهذا المعنى، لا يكتفي الإعلام بنقل الحكايات، بل يعيد إنتاج وظيفة اجتماعية مفقودة: الاستماع دون حكم مباشر.

بين الرفض العلني والمتابعة الصامتة

في سياق الانتقادات الموجهة إلى هذه البرامج، والتي أبرزتها الدراسة الميدانية، يفسّر الباحث أوالطاهر هذا المعطى بالاستناد إلى أطروحة عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان، الذي يميّز بين مستويين من السلوك الاجتماعي:

“الواجهة” (Front Stage): حيث يُعبّر الأفراد عن خطاب علني ينتقد هذه البرامج من منظور أخلاقي.

“الكواليس” (Back Stage): حيث تتجلى الممارسات الفعلية التي تكشف عن متابعة واسعة وتعاطف ملحوظ مع محتواها. ويظهر هذا التناقض بشكل واضح في الفضاء الرقمي، إذ تتعرض هذه البرامج لانتقادات علنية متكررة، في حين تحقق في المقابل نسب مشاهدة مرتفعة وتفاعلاً كبيراً، خاصة على منصات مثل يوتيوب.

الأرقام: بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الاجتماعية

تُقدّم الدراسة مجموعة من المؤشرات الرقمية الدالّة، إذ يرى 69٪ من المستجوبين أن هذه البرامج لا تراعي القيم الأخلاقية،  في حين يعتقد 54٪ أنها ساهمت في إحداث تغييرات في بعض السلوكيات الاجتماعية.

غير أن الباحث أوالطاهر يُحذّر من التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها معطيات مطلقة، موضحاً أن التصريح في القضايا ذات الطابع الأخلاقي غالباً ما يخضع لما يُعرف بالامتثال الاجتماعي، أي ميل المستجوبين إلى تقديم إجابات تتماشى مع ما هو مقبول اجتماعياً أكثر من عكس سلوكهم الفعلي.

وبعبارة أخرى، فإن ما يتم التصريح به في الاستبيانات لا يعكس بالضرورة ما يُمارس فعلياً في الواقع الاجتماعي.

اللغة والمعرفة: بين اليومي والمعياري

في ما يتعلق بنسبة 74٪ من المستجوبين الذين اعتبروا أن هذه البرامج تفتقد إلى البعد اللغوي والمعرفي اللائق، يطرح أوالطاهر ملاحظة منهجية أساسية، مفادها أن هذا الحكم لا يمكن أخذه في سياق مطلق دون تفكيك طبيعة الخطاب المستعمل داخل هذه البرامج.

فمن منظور سوسيولوجي، يؤكد الباحث أن اللغة المتداولة في هذا النوع من البرامج ليست لغة أكاديمية أو معيارية تقوم على الضبط المفاهيمي والدقة الاصطلاحية، بل هي في الأساس:

  • لغة التجربة اليومية بما تحمله من عفوية وارتجال
  • لغة الاعتراف التي تتيح للمتكلم التعبير عن ذاته وهواجسه وانفعالاته
  • لغة القرب العاطفي التي تستهدف التفاعل أكثر من التحليل

وبناءً على ذلك، فإن قياس هذه البرامج بمعايير الخطاب العلمي أو الأكاديمي قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، لأنها تفصل اللغة عن سياقها الاجتماعي ووظيفتها التواصلية. فالمعيار هنا ليس “الصواب اللغوي” بقدر ما هو “النجاعة التواصلية” وقدرة الخطاب على إنتاج الاعتراف والتفاعل داخل فضاء إعلامي جماهيري.

هل تصنع هذه البرامج تغييراً اجتماعياً؟

فالبرغم من مساهمتها في فتح نقاشات عمومية جديدة حول قضايا ظلت لسنوات طويلة حبيسة الجدران، مثل العنف الأسري والعلاقات العاطفية والصحة النفسية، يؤكد الباحث في علم الاجتماع محمد أوالطاهر أن هذه البرامج لا ترقى بالضرورة إلى مستوى “التغيير الاجتماعي البنيوي”.

فمن منظور سوسيولوجي، كما يوضح أوالطاهر، لا يتحقق التغيير الاجتماعي إلا عبر مسارات أعمق وأكثر استقراراً، تشمل أساساً:

  • تحولات قانونية واضحة
  • إعادة هيكلة مؤسساتية قادرة على التأطير والاستيعاب
  • ترسيخ ممارسات اجتماعية جديدة عبر الزمن

أما برامج البوح، فهي في نظره تظل في جوهرها فضاءً لإنتاج المعنى وتداول التجربة الفردية، أكثر من كونها أداة لإحداث تحول بنيوي مباشر داخل المجتمع.

غير أن أوالطاهر يحذر في الوقت نفسه من اختزال تأثير هذه البرامج، إذ يرتبط حضورها الاجتماعي بدرجة انتشارها، واستمراريتها في المشهد الإعلامي، واتساع دائرة التفاعل معها داخل المجتمع.

ففي السياق المغربي، يمكن لهذه البرامج أن تساهم في كسر جزء من الصمت الاجتماعي حول قضايا حساسة، وإعادة فتح النقاش بشأنها داخل الفضاء العمومي، وهو ما ينعكس جزئياً على التمثلات الفردية.

غير أن هذا الأثر يظل محدوداً ما لم يتحول إلى دينامية اجتماعية منظمة ومؤطرة مؤسساتياً، سواء عبر تشريعات قانونية، أو سياسات عمومية، أو مبادرات مدنية فاعلة.

وبهذا المعنى، يخلص الباحث أوالطاهر إلى أن الفاعلية الحقيقية لا تتحقق بمجرد إثارة النقاش، بل حين تنتقل القضية من كونها “حالة اجتماعية معزولة” إلى “مشكلة اجتماعية معترف بها”، وهي سيرورة تدريجية تبدأ بتبلور الوعي الجماعي بالمشكل، وتنتهي بإدراجه ضمن أجندة الفعل العمومي وصياغة استجابات مؤسساتية له.

الذكاء الاصطناعي: منافس جديد لفضاء البوح؟

في ساعة متأخرة من الليل، لم يعد البعض ينتظر اتصالاً ببرنامج إذاعي أو يترقب دوره للحديث على الهواء. يكفي أن يفتح هاتفه، يكتب بضع كلمات، ليجد “مستمعاً” لا يقاطعه، لا يحكم عليه، ولا يطالبه بتبرير. في صمت الشاشة، يتشكل شكل جديد من البوح: اعتراف بلا جمهور وبلا خوف.

هذا التحول لا يغير فقط وسيلة التعبير، بل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بفعل الاعتراف نفسه. فبينما ما تزال برامج البوح في الإعلام المغربي تستقطب نسب متابعة مهمة، وتحوّل التجارب الشخصية إلى مادة جماهيرية، يظهر الذكاء الاصطناعي كفضاء بديل غير مرئي، ينقل البوح من المجال العمومي إلى مساحة خاصة بالكامل، خالية من الرقابة الاجتماعية المباشرة.

في هذا السياق، تقدم مروى، وهي مراهقة، مثالاً دالاً على هذا التحول. فهي تعتبر الذكاء الاصطناعي “حافظ أسرارها”، إذ تلجأ إليه للحديث عن مشاكلها النفسية والاجتماعية والعاطفية، وتقول: “يحفظ سري ويعطيني الحلول”. هذا التفاعل يعكس تغيراً في طبيعة المستمع نفسه: من مستمع بشري محكوم بالمعايير الاجتماعية، إلى مستمع رقمي محايد لا يصدر حكماً ولا يفرض وصماً.

وهكذا، لم يعد البوح مرتبطاً حصراً بالإعلام التقليدي أو بالفضاء العمومي، بل أصبح يتوزع بين نموذجين مختلفين:
البوح العلني أمام جمهور، والبوح الخاص داخل علاقة فردية مع نظام ذكي.

غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل هذه البرامج: هل ستفقد برامج البوح جزءاً من وظيفتها الاجتماعية مع صعود هذا “المستمع الرقمي”، أم أن الحاجة إلى الاعتراف أمام إنسان آخر ستظل أقوى من أي بديل تكنولوجي؟

خاتمة

في المحصلة، لا تبدو برامج البوح في الإعلام المغربي مجرد صيغة ترفيهية عابرة، بل هي مرآة لتحول اجتماعي أعمق وأكثر تركيباً، كما تُظهر دراسة فاطمة المرابط ضمن مقاربتها السوسيولوجية، وما يرافقها من قراءات تحليلية للمشهد الإعلامي.

فما يتضح من هذا المسار هو أن المجتمع المغربي يعيش إعادة تشكل هادئة في بنياته الأساسية: أسرة ممتدة تتراجع تدريجياً أمام صعود النموذج النووي، فرد يبحث عن مساحات بديلة للإنصات والتعبير، إعلام يتحول من مجرد وسيط لنقل الخطاب إلى فضاء للاعتراف وتفريغ التجربة الشخصية، وذكاء اصطناعي يبرز اليوم كفاعل جديد ينافس على وظيفة الاستماع نفسها.

ضمن هذا التحول، لم تعد برامج البوح مجرد محتوى إعلامي يُتابَع، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تعكس حاجة اجتماعية مستمرة للحديث عن الذات، حتى وإن تغيّرت الوسائط التي تحتضن هذا الحديث.

وفي نهاية هذا التحليل، يبدو أن السؤال لم يعد يتعلق بأسباب متابعة هذه البرامج بقدر ما أصبح مرتبطاً بمصير فعل البوح نفسه: أين سيتجه الإنسان ليحكي تجربته في المستقبل؟

في الفضاء العمومي كما في السابق؟
أم داخل شاشة الهاتف؟
أم أمام خوارزمية تستمع دون أن تحكم؟

أم أن العالم يخبئ لنا شكلاً آخر من البوح لم تتضح ملامحه بعد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.