في سياق النقاش المتواصل حول تحديث منظومة العدالة بالمغرب، أعاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي طرح عدد من الإشكالات المرتبطة بمشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، معتبراً أن بعض المقتضيات الواردة فيه لم تواكب بعد التحولات القانونية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها المجتمع المغربي.
انتقادات لآليات إثبات تقليدية
وسجّل المجلس، في رأيه حول المشروع، أن الإبقاء على العمل بشهادة اللفيف، رغم تقنينها لأول مرة، لم يعد منسجماً مع متطلبات الإثبات الحديثة ومعايير الأمن القانوني، خاصة في ظل الصعوبات العملية التي تبرز عند التطبيق.
كما اعتبر أن شرط حضور 12 شاهداً يطرح إشكالاً متزايداً، بالنظر إلى التحولات الديموغرافية والاجتماعية، مثل تقلص حجم الأسر وتزايد الهجرة، وهو ما يجعل استيفاء هذا العدد أمراً غير عملي في عدد من الحالات.
ودعا المجلس إلى مراجعة هذه الآلية بما ينسجم مع التطورات الجارية، وبما يفتح المجال أمام وسائل إثبات أكثر نجاعة، خاصة في ظل التطور التكنولوجي الذي يعرفه المجال القانوني.
شهادة اللفيف بين الجذور الفقهية والإشكالات العملية
وأوضح المجلس أن شهادة اللفيف تُعد من الخصوصيات الأساسية في نظام الإثبات المغربي، حيث تعتمد على شهادة جماعة من الأشخاص لإثبات وقائع يصعب توثيقها بالطرق التقليدية، وقد استمدت أساسها من الفقه المالكي.
وتُستخدم هذه الآلية في عدة مجالات، من بينها إثبات الحيازة في العقارات غير المحفظة، وبعض الوقائع الأسرية والاجتماعية، إضافة إلى إثبات الملك أو الانتفاع بناء على الاستعمال الطويل أو الشهرة.
غير أن المجلس أشار إلى استمرار الجدل القانوني حول مدى ملاءمة هذه الوسيلة لمتطلبات الإثبات الحديثة.
نحو تنظيم جديد لكن دون قطيعة مع التقليد
وسجّل المجلس أن المشروع الجديد أدخل لأول مرة تنظيماً صريحاً لشهادة اللفيف تحت مسمى “شهادة جمع من الناس”، مع توسيعها لتشمل الرجال والنساء معاً، في خطوة اعتبرها تطوراً على المستوى التشريعي.
كما أشار إلى استعداد الحكومة لتعديل بعض المقتضيات بما يضمن توحيد الفهم بين مختلف المتدخلين.
في المقابل، أبقى المشروع على نفس العدد المحدد في 12 شاهداً، وهو ما اعتبره المجلس غير متناسب مع الواقع الاجتماعي الحالي، وقد يشكل عائقاً عملياً أمام تطبيق النص في بعض الحالات.
غياب الرقمنة في وسائل الإثبات
وانتقد المجلس عدم إدراج وسائل حديثة لتوثيق الشهادات، مثل التسجيل السمعي البصري أو التوثيق عن بعد، مع التحقق من هوية الشهود وحماية معطياتهم الشخصية، رغم التطور الكبير في مجال الرقمنة.
واعتبر أن تعميم التحفيظ العقاري ورقمنة الحالة المدنية من شأنهما تقليص الحاجة إلى هذا النوع من الشهادات التقليدية.
تحديث مهنة العدول بين الطموح والحدود
وفي ما يتعلق بمهنة العدول، أشار المجلس إلى أن المشروع يحمل بعض الملامح الإصلاحية، من خلال تعزيز التكوين والرقمنة والتأمين المهني، بما يعكس توجهاً نحو تحديث المهنة.
غير أنه سجل في المقابل أن وتيرة الإصلاح ما تزال محدودة، ولم تواكب بشكل كامل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، خاصة مع بروز كفاءات جديدة داخل المهنة.
إشكالات التدبير والمساطر
كما أشار المجلس إلى أن بعض المساطر المرتبطة بالعقود العدلية تؤدي إلى تأخير استكمال الإجراءات، ما قد يؤثر على حقوق المتعاقدين، خصوصاً في المعاملات العقارية والتجارية.
وسجّل أيضاً غياب إطار قانوني واضح لتدبير الودائع، بما يضمن حماية الأموال إلى حين استكمال المساطر.
الرقمنة والمراقبة والتأديب
وفي محور التنظيم الإداري، لاحظ المجلس استمرار الاعتماد على المقاربة الورقية رغم إدراج بعض مظاهر الرقمنة، مع تعدد آليات الرقابة، وهو ما قد يحد من النجاعة التنظيمية.
كما أشار إلى أن المسطرة التأديبية ما تزال قائمة على تشكيل قضائي صرف دون إشراك المهنيين، في حين دعت توصيات سابقة إلى إحداث آلية مختلطة أكثر توازناً.
واختتم المجلس رأيه بالتأكيد على أن مشروع القانون يمثل خطوة في اتجاه تحديث مهنة العدول، لكنه ما يزال في حاجة إلى مزيد من التكييف مع التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، سواء على مستوى الوسائل القانونية أو التكنولوجية، بما يضمن عدالة أكثر نجاعة وملاءمة للواقع الجديد.