تكشف أرقام المشاهدة الأخيرة عن مفارقة لافتة في المشهد السمعي البصري المغربي: فبينما يحتدم الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي حول “ضعف” جودة البرامج التلفزيونية، تواصل الأعمال الترفيهية والدرامية تصدر اختيارات الجمهور أمام الشاشة، مؤكدة أن ما يُقال رقمياً لا يعكس بالضرورة ما يُشاهَد فعلياً.
ووفق بيانات موقع “ماروك ميتري” للفترة الممتدة ما بين 8 و18 أبريل 2026، حافظت القناة الأولى على نمطها القائم على المزج بين الترفيه والمحتوى الإخباري، حيث واصل برنامج “لالة لعروسة” تصدر نسب المشاهدة، مستقطباً ما يقارب 10 ملايين متابع، في رقم يعكس استمرارية جاذبيته رغم مرور سنوات طويلة على انطلاقه.
وجاءت النشرة الإخبارية باللغة العربية في المرتبة الثانية بأكثر من 7 ملايين مشاهد، ما يؤكد استمرار الأخبار كموعد قار لدى فئة واسعة من المغاربة، فيما حل مسلسل “الصديق” ثالثاً بحوالي 5.8 ملايين، تليه برامج وأعمال درامية أخرى بأرقام متقاربة.
وتبرز المقارنة داخل القناة نفسها تفضيلاً واضحاً للمحتوى الترفيهي خلال أوقات الذروة، إذ حقق “لالة لعروسة” ضعف عدد مشاهدي برنامج “45 دقيقة” الذي يبث في توقيت قريب، رغم طابعه التوعوي، وهو ما يعكس ميلاً جماعياً نحو المحتوى الخفيف في نهاية الأسبوع.
وعلى القناة الثانية، لم يختلف المشهد كثيراً، حيث تصدرت الدراما، خاصة المدبلجة، قائمة البرامج الأكثر متابعة، مع استمرار المسلسلات التركية في استقطاب ملايين المشاهدين، إلى جانب برامج ترفيهية مثل “النجم الشعبي” و”رشيد شو”، التي حافظت بدورها على حضور قوي.
هذه المعطيات تكشف بوضوح اتساع الفجوة بين الخطاب النقدي المتداول على المنصات الرقمية وسلوك المشاهدة الواقعي، إذ تظل الأعمال الأكثر تعرضاً للانتقاد هي نفسها التي تحقق أعلى نسب المتابعة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التلقي الإعلامي لدى الجمهور المغربي.
وفي قراءة لهذا التناقض، يرى الناقد الفني مصطفى الطالب أن نجاح بعض البرامج، وعلى رأسها “لالة لعروسة”، يرتبط بقدرتها على ملامسة قضايا اجتماعية قريبة من وجدان المغاربة، مثل الزواج والأسرة، إلى جانب تقديمها في قالب ترفيهي عائلي يسهل استهلاكه.
وأوضح أن توقيت البث يلعب دوراً حاسماً في رفع نسب المشاهدة، خاصة خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث تجتمع الأسر أمام التلفزيون، كما أن حضور وجوه إعلامية مألوفة يعزز من جاذبية هذه البرامج ويقوي ارتباط الجمهور بها.
في المقابل، لم يُخفِ الطالب وجود اختلالات على مستوى المحتوى، مشيراً إلى أن بعض الفقرات قد تبتعد عن الخصوصيات الثقافية للمجتمع المغربي، ما يطرح إشكال التوازن بين متطلبات الترفيه واحترام المرجعية الاجتماعية.
وعلى مستوى أوسع، اعتبر المتحدث أن هيمنة الترفيه على الشبكات البرامجية تعكس توجهاً واضحاً لدى القنوات الوطنية، في ظل تراجع حضور البرامج الثقافية والفكرية، التي غالباً ما تُبرمج خارج أوقات الذروة، ما يحدّ من تأثيرها وانتشارها.
وخَلُص إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الترفيه بحد ذاته، بل في غياب التوازن داخل العرض التلفزيوني، داعياً إلى إعادة النظر في الاختيارات البرامجية بما يضمن تنوعاً أكبر، ويمنح المحتوى التثقيفي مكانة تليق بانتظارات جزء مهم من الجمهور.