لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي محصوراً في سؤال “هل سيقضي على الوظائف؟”، بل انتقل إلى مستوى أعمق يتعلق بكيفية إعادة تشكيل طبيعة العمل نفسها داخل المهن القائمة. هذا ما يبرزه تقرير استراتيجي حديث صدر في أبريل 2026، واضعاً المغرب ضمن الدول التي تواجه تحوّلاً متسارعاً قد يعيد رسم خريطة التشغيل خلال السنوات المقبلة.
فبحسب التقرير، تقف سوق الشغل المغربية أمام ضغط تحولي كبير، مع توقع تأثر ملايين الوظائف بدرجات متفاوتة في أفق 2030. إذ يُقدّر أن نحو 1.5 مليون منصب يوجد في دائرة الخطر المرتفع، مقابل أكثر من 3 ملايين وظيفة مرشحة لتغييرات جوهرية في طبيعتها، في وقت لا تتجاوز فيه فرص التعويض عبر الوظائف الرقمية الجديدة سقفاً محدوداً، ما يطرح تحدياً واضحاً على مستوى التوازن بين التحول التكنولوجي والقدرة على الاستيعاب.
ويشير التحليل الإقليمي إلى أن الأتمتة لم تعد تستهدف فقط الأعمال اليدوية الروتينية، بل امتدت إلى الوظائف المعرفية، بما يشمل قطاعات الإدارة والمالية والهندسة والقانون. فقد أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على تنفيذ مهام متقدمة مثل التحليل والتنسيق واتخاذ القرار، وهو ما يعيد تعريف القيمة داخل ما يُعرف بـ”المهن البيضاء”.
في الحالة المغربية، يبرز التأثير بشكل خاص في قطاعات الخدمات، مثل مراكز الاتصال والأوفشورينغ، التي تُعد من أهم مشغلي الشباب. وتشير المعطيات إلى أن آلاف الوظائف داخل هذه القطاعات مهددة بالتحول، ما يثير مخاوف بشأن تقلص فرص الولوج الأول إلى سوق العمل، خاصة بالنسبة للخريجين الجدد والنساء، الذين يتمركزون بكثافة في هذه المجالات.
ولا يقف التحدي عند حدود الاقتصاد المنظم، إذ يشكل القطاع غير المهيكل، الذي يستوعب نسبة كبيرة من اليد العاملة، عاملاً معقداً في معادلة التحول. فبينما قد يخفف هذا القطاع من الصدمة المباشرة للأتمتة، فإنه في المقابل يظل خارج منظومات الحماية وإعادة التأهيل، ما يهدد بتوسيع الفجوة الاجتماعية إذا لم يتم إدماجه ضمن سياسات التحول الرقمي.
ويمتد أفق التحديات إلى ما بعد 2030، مع توقع موجة ثانية من التحول مرتبطة بالروبوتات، قد تمس قطاعات الفلاحة والصناعة والخدمات اللوجستية. وهو ما قد يرفع عدد الوظائف المتأثرة إلى مستويات غير مسبوقة، إذا لم يتم التعامل مع هذه التحولات بمنطق استباقي.
ويؤكد التقرير أن جوهر الإشكال لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في سرعة انتشارها مقارنة ببطء تأقلم الأنظمة التعليمية وسوق الشغل. فالفجوة بين المهارات المطلوبة والمتوفرة مرشحة للاتساع، ما يفرض إعادة التفكير في نماذج التكوين والتأهيل المهني.
كما يحذر من مخاطر مرافقة لهذا التحول، من بينها تعميق الفوارق الاجتماعية، وتراجع فرص الشغل الأول، إضافة إلى تحديات مرتبطة بالسيادة الرقمية والتحكم في البيانات، في ظل اعتماد متزايد على حلول تكنولوجية خارجية.
في المقابل، يفتح الذكاء الاصطناعي أيضاً آفاقاً جديدة إذا ما تم توظيفه بشكل استراتيجي، من خلال رفع الإنتاجية وخلق وظائف ذات قيمة مضافة أعلى. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهيناً بقدرة السياسات العمومية على مواكبة التحول، عبر الاستثمار في المهارات الرقمية، وتحديث أنظمة الحماية الاجتماعية، وخلق بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب هذا التغير العميق.
وبين الفرص والمخاطر، يبدو أن المغرب يقف أمام لحظة مفصلية، حيث لم يعد الخيار بين تبني الذكاء الاصطناعي أو رفضه، بل بين الاستعداد له أو دفع كلفة التأخر عنه.